عكار. البرج. سرايا. بيك. لا خدمات. لا إنماء. عنترة سياسية. بين التناقض والتناقض، تناقض. الإسطبل قاعة استقبال. «أمرك سيدنا وإلا». بإمكان رئيس فرع المعلومات العميد وسام الحسن أن يصنع من كل هذه المفردات نائباً اسمه معين المرعبي.
لا زحمة سير هنا ولا زمامير باصات وتاكسيات أو هتافات باعة. فقط جبل يلوّن الثلج أشجار الأرز التي تكلل قمته. تضيع عند بلوغك بلدة البرج العكارية بين النظر إلى تحت حيث السهل العكاريّ أو إلى فوق حيث القموعة. قبل أن يسرق الناس على جانبي الطريق النظر باتجاههم: جارة تعاتب جارتها لأن «مولّدكم الكهربائي لا يتركنا ننام»، مسنّون يختلفون بشأن أداء رئيس البلدية، شاب يقود دراجته بيد ويحمل صينية عليها فول وحمص باليد الأخرى ومختار يتحرى هوية الزوار الغرباء.
يُسأل أهالي البلدة عن منزل عضو كتلة المستقبل النائب معين المرعبي فيشيرون بأصابعهم صوب قصر قديم مرددين: «في السرايا يعيش البيك». ومعظمهم يتابعون قائلين: «بس ما ح تلاقوه هونيك». إنجاز تيار المستقبل الأهم في عكار في الدورتين الانتخابيتين السابقتين كان إنعاش البكوية العكارية. مرة مع مصطفى هاشم المرعبي عام 2005، ومرة مع معين المرعبي عام 2009. ضمّ المرعبي إلى لائحة المستقبل لأنه بيك. والبرج شاهدة على أن كل الطرقات فيها تقود إلى منزل البيك أو السرايا، التي جعل منها والي عكار علي باشا الأسعد عام 1830 مركز القرار السياسي والإداري في هذه المنطقة إبان الحكم العثماني. من يأكل من صحن السلطان يضرب بسيفه، يقول المثل. فكيف الذي ينام في سريره، يقول أداء سعادته.
قبل النيابة، كان البيك الذي ورث نحو نصف أراضي البلدة ألطف بكثير منه بعدها. اختفى فجأة حس المساعدة الذي رافقه منذ طفولته. تتذكره البلدة شاباً نشيطاً يمد كل من يحتاج إلى المساعدة بها، ويتساهل جداً مع من يدينون له بفضل أو خدمة. ليس في البرج منزل لم يدخله المرعبي ليتعشى مع أهله على الأرض زيتوناً ولبنة، وليس في البرج حاجّة لم يقبل ابن البكوات يدها، وليس فيها حاج لم يطلب منه المرعبي مناداته «حاج معين» بدل «معين بيك». لكن... الناس تتغير. في البلدة إجماع: معين المرعبي أمين، نظيف، غير متعصب، ليس فقط لا يمد يده إلى المال العام وإنما يصرف من جيبه. وشبه إجماع: «عدوانية معين بيك تزداد مع كل إشراقة جديدة لشمس السلطة عليه»، هو «لا يحتمل الانتقادات». وإياك إياك – تنصحك البرج – أن تزوره طالباً خدمة خاصة. يصعب العثور على برجيّ واحد يمكنه القول إن سعادته خدمه.
هنا الموضوع. النائب معين المرعبي يرى أن مهام النائب لا تشمل توفير خدمة صحية لناخبه هنا وخدمة تعليمية لناخبه هناك. مهمة النائب التشريع وتوفير مشاريع إنمائية لمنطقته. لكن معظم زملاء المرعبي في لجان المجلس النيابي يؤكدون أن لا علاقة أبداً للنائب العكاريّ بالتشريع. وأبرز رابط بين المرعبي ومجلس النواب، هو لحاقه باللواء أشرف ريفي كظله، أو كمرافقه، خلال جلسات لجنة الاتصالات الشهيرة التي كانت تناقش «اتفاق فيلتمان ــ ريفي».
أما الرهان على المرعبي إنمائياً فخطير في ظل تأكيده في 19 كانون الثاني أن مطار رينيه معوض سيوفر للشباب اللبناني 20000 فرصة عمل، أي نحو 4 أضعاف فرص العمل التي يوفرها مطار بيروت الدولي. الفراغ الخدماتي يفرغ السرايا من الزوار حتى حين يحضر البيك، فلا يكون في انتظاره غالباً أكثر من خمسة أشخاص، تعرفهم البلدة جيداً: خالد ياسين، طارق صالح، أحمد ياسين، عزيز ياسين وعلي حمدوش.
يبقى للمرعبي من صفات النائب إذاً صفة السياسيّ. الأخيرة كانت سبب نجوميته الأساسي. فلولا مواقفه السياسية لما قدر للبنانيين الانتباه إلى سعادته. لكن هنا أيضاً، ثمة ما لا يبشر بالخير. فبموازاة تنطح المرعبي للعب دور رأس الحربة في انتقاد مؤسسة الجيش التي لكل منزل عكاري فيها وديعة، تبرز تناقضات عجيبة في مواقفه:
في 18 أيلول أعلن رفضه أن «يحمي أي طرف الحدود غير الجيش اللبناني». لاحقاً، في 24 كانون الثاني 2012 اقترح «تشكيل أنصار الجيش لحماية الحدود أو الإتيان بقوات دولية ونشرها على الحدود أو حتى تسليح الناس ليتولوا الدفاع عن منطقتهم».
بين 18 أيلول و28 كانون الأول دعا الجيش عشرات المرات إلى «اتخاذ الاجراءات اللازمة في المناطق الحدودية شمالاً». لكن لاحقاً، حين بدأ الجيش باتخاذ اجراءات كهذه، قال المرعبي في 4 شباط 2012 إن «انتشار الجيش في وادي خالد أتى بناءً على أوامر سورية وجهت للقيادات اللبنانية».
والتناقضات تستمر، ففي 18 أيلول قال إن «رهاني على الجيش اللبناني وثقتي به كبيران». لكن في 15 كانون الأول رأى أنه «لا يمكننا أن نحمّل الجيش أكثر مما يحتمل لأن حزب الله يسيطر على كل مقدرات هذا الجيش، فلا يستطيع التحرك إلا بأمرٍ منه».
ولعل المرعبي من النواب النادرين الذين تجرأوا على أن يقولوا لرئيس الجمهورية ما يوازي قوله في 13 تشرين الثاني إن «العذر الذي قدمته أقبح من ذنب» على صعيد الموقف اللبناني في جامعة الدول العربية. ونبّه المرعبي الرئيس إلى أن حكومة ميقاتي «سترحل – وكل من يشد على مشدها – مع النظام الأسدي». وهو قال في 6 كانون الأول الماضي لمرجعيته الطائفية المفتي محمد رشيد قباني: «أنت منتحل صفة»، مع تأكيده قبل الانتخابات النيابية بنحو عامين (في 27 أيلول 2011) أنه لن يكون مرشحاً للانتخابات النيابية عام 2013. وقد ثبت أخيراً بما لا يقبل الدحض عمق رؤية المرعبي السياسي، إذ كان قد سبق له في 19 كانون الثاني 2012 الجزم أن «روسيا ستبيع النظام السوري»، هو الذي وصف التشريعيّ الأول في كتلة المستقبل، زميله روبير غانم، إثر إحدى جلسات لجنة الإدارة والعدل في 20 أيلول بأنه كان «فاشلاً جداً بإدارة الجلسة وقد ابتدع نصاً دستورياً جديداً».
الوالي الجديد وصل إلى المجلس النيابي بفضل صداقته مع رئيس فرع المعلومات وسام الحسن وعلاقته الوطيدة جداً بشقيقه المهندس حيدر الحسن، فضلاً عن مباركة رجل الأعمال غسان المرعبي له. أما اليوم، فسحب الأخير بركته من تحت قدمي نائب العائلة الذي خسر أيضاً تأييد تيار المستقبل في عكار له نتيجة خلاف بشأن المنسقين أدى بالنائب العكاري إلى مقاطعة معظم نشاطات تياره في عكار.
في طريق العودة من البرج التي شقها وزفّتها عصام فارس، يثير الالتفات إلى الخلف ذعراً. فعلاً اسمها البرج، فعلاً ثمة سرايا، وفعلاً ثمة بيك. بيك استفاق على بكويته متأخراً، يعتبر كل من لا يطيعه أو يقدم له فروض الطاعة السياسية منبوذاً لا بدّ من مقاطعته. بيك ليس في صالونه خمسة رجال يريد تغيير عقيدة الجيش وإسقاط النظام السوري.
"الأخبار"