يحسم المستقبليون ترؤس سعد الحريري تيارهم، وحلول أحمد الحريري أميناً عاماً له. لا اعتراف رسمياً بهاتين النتيجتين المستبقتين للمؤتمر التأسيسي، مع تشديد الجميع على أن الانتخابات هي الحاسمة. رغم هذا النفي، يتحدث البعض عن لوائح اسمية معدّة ستكون الواجهة التنظيميّة للحزب والسياسية في المرحلة المقبلة.
في مركز تيار المستقبل في شارع سبيرز زحمة زوار وموظفين يجمعون تفاصيل المؤتمر التأسيسي للتيار وصفته. يعمل الجميع، كل بحسب مهماته وطاقته، على إنجاح طبختي البريسترويكا والغلاسنوست الداخليّتين، في ظروف لبنانية ـــــ لبنانية مترنّحة على أبواب ملفات متفجّرة كالقرار الاتهامي للمحكمة الدولية وكشف شبكات العملاء والحديث عن أجواء متوترة في الجنوب.
يبدو أن التوتر السياسي المستمر منذ نهار الجمعة الماضي، لم يؤثر على سير الإعداد للمؤتمر، إلا أنه سيترك آثاره على كلمة الرئيس سعد الحريري في الحفل الافتتاحي للمؤتمر وعلى الوثيقة السياسية الحزبية التي ستنبثق من المؤتمر. فمعظم التفاصيل والنتائج حسمت، ولم يبق معلّقاً سوى مضمون خطاب الحريري وسقف التقرير السياسي، فيما باقي أعمال المؤتمر ونتائجه شبه منتهية. إذ يؤكد مستقبليون أنّ مناصب الرئيس ونوابه الثلاثة، والأمين العام ومساعديه الأربعة، قد حسمت، بحيث إن الرئيس سعد الحريري سيبقى رئيساً، ويُنتخب أحمد أميناً عاماً.
وثمة من المستقبليين من يقول إن أسماء أعضاء المكتب السياسي «شبه منتهية»، وإنّ ما لم يُحسم بعد هو أسماء الأعضاء الثمانية الآخرين المعيّنين من الرئيس، على اعتبار أن من شأن هذه «الكوتا» الرئاسية المحافظة على عدالة تمثيل الطوائف والمناطق.
يرفض أي من مسؤولي المستقبل الخوض في مناقشة الأسماء المقترحة للصعود إلى الواجهة السياسية والتنظيمية في المرحلة المقبلة. فيؤكد نواب التيّار ومسؤولوه وكوادره وإعلاميّوه أنّ الأسماء لم تحسم بعد، وأن الانتخابات هي التي ستقرر ممثلي التيار. إلا أنه خارج مركز المستقبل، ثمة من المطلعين من يؤكد أدواراً مهمة سيؤديها كل من النائب سمير الجسر والنواب السابقين أنطوان أندراوس، مصطفى علوش وغطاس خوري. ويشددون أيضاً على أن أسهم الأعضاء الثلاثة في اللجنة الخماسية التي أعدّت أعمال المؤتمر، سمير ضومط وفايز مكوك وصالح فروخ، إلى المزيد من الارتفاع في الهيكلية التنظيمية للتيار وفي المهمّات الأساسية التي سيتسلّمونها بعد الانتخابات.
ويرى هؤلاء أن قيادة التيار تدخل المؤتمر في «نفسية» متحمّسة لتغيير جذري على مستوى القيادات الوسطية والمناطقية والقطاعية. وهو الأمر الإيجابي الذي يمكن أن ينتج من هذا المؤتمر. يضيفون: «ثمة استثناءات، منها في قطاعي نقابات العمال والشباب والرياضة»، من دون أن يؤكد هؤلاء استمرار عدد من مسؤولي المناطق البارزين في مناصبهم.
ومن المستقبليين من يتحدثون عن تفاوت في السقف السياسي بين كلمة الرئيس الحريري الافتتاحية ومضمون التقرير السياسي، فيشيرون إلى أنّ الرئيس يعيش مرحلة دقيقة على مستوى العلاقات السياسية، إذ شهد «مشكلاً» في جلسة الحكومة أمس، ولن يساعده الوضع المتوتر على الساحة الداخلية في إظهار المواقف الحاسمة للتيار، على اعتبار أنه رئيس الحكومة. فيما سيتمكّن المستقبل من التعبير عن آرائه الفعلية في مجمل القضايا من خلال التقرير المنبثق من المؤتمر. يضيفون أنّ النصين سيتضمّنان موقفاً من المحكمة الدولية والسلاح غير الشرعي والعدو الإسرائيلي وشبكات العملاء والحكومة والملفات الأخرى. وعلى خلفية جلسة الحكومة أمس، لفت أحد المستقبليين إلى أنّ سقف الموقف قد يتبدّل في الساعات المقبلة، لينسجم مع الردّ اللازم على الحملات التي يواجهها التيار.
وبالعودة إلى المؤتمر، يضيف مطلعون إلى أنّ الوضع المالي للتيار سيأخذ حيزاً مهماً في النقاش، ضمن عنوان «الضبط المالي»، مع إشارة المتحدّثين إلى أن المطلوب نقل التيار من حالة الطرف الخدماتي إلى الطرف السياسي.
في محاولة أولى استثمرت الوقت اللازم (عاماً كاملاً)، يحاول المستقبليون الانتقال من آلية الجلوس في صالونات الشيوخ والخروج بلوائح اسمية للمسؤولين، إلى آلية يقولون إنها أكثر ديموقراطية. وقبل ساعات من إطلاق هذا المؤتمر وكشف نتائج الآليات التنظيمية الجديدة، ثمة في سبيرز من يجلس في مكتبه مدخناً السيجار متابعاً التطورات على الهاتف، وثمة من يدور على الطوابق حاملاً الأوراق وراكضاً في الأروقة بحثاً عن اجتماع.
وثمة أيضاً من يحمل هاتفه محاولاً «لقط» فلان. وفيما تدور هذه المشاهد وتتوزع على غرف المركز، يجلس مقرّر اللجنة الخماسية المسؤولة عن عملية إعادة الهيكلة وكل الزحمة وحركة الاتصالات الحاصلة، أحمد الحريري، في مكتبه في الطابق العاشر. يبدو الهدوء واضحاً على وجهه وهو يستقبل الصحافيين، فيبتسم للكاميرات ويجيب عن الأسئلة، يراوغ حيناً ويأخذ نَفساً عميقاً حيناً آخر.
في هذا المكتب وغيره، ناقش أحمد الحريري الآليات الانتخابية للتيار، يستفيض بالكلام على نظام الترشيحات وتكوين المكتب السياسي. واللافت أن هذا المكتب السياسي سيتألّف من الرئيس ورئيس كتلة المستقبل و15 عضواً منتخبين في المؤتمر، إضافة إلى ثمانية أعضاء يعيّنهم الرئيس. لا يرى أحمد الحريري في هذه «الكوتا» مانعاً، مشيراً إلى أن نسبة التعيين في المكتب كانت مرتفعة وخُفضت. فهذه «الكوتا» تعطي الرئيس قدرة على صوغ التمثيل الطائفي والمناطقي.
ويلفت أحمد الحريري إلى أنّ هيكلية اتخاذ القرار مؤلفة من ثلاث طبقات: المكتب السياسي، الهيئة التنفيذية والأمانة العامة، إضافة إلى المجلس المركزي المشترك الذي سيضمّ المكتب السياسي ومكتب الأمانة العامة ونواب كتلة المستقبل ووزراء.
وعن مهمة تدارك نتائج الانتخابات البلدية في بعض المناطق، يشدد أحمد الحريري على أنّ الهدف من المؤتمر ليس محاسبة المرحلة الماضية «بل الاستفادة منها، ومعالجة الإخفاقات، وذلك يكون عبر الاستفادة من الخبرات الجديدة ودعمها بدم جديد».
يدخن أحمد الحريري سيجارته بهدوء، يشرب القليل من الماء، ويدافع عن الموقف الخدماتي للتيار: «نحن ندفع من كيسنا، ورغم انهيار دول نتيجة الأزمة الاقتصادية، نحن مستمرّون في تغطية مستلزماتنا». يؤكد أنّ المساعدات الإنسانية ستبقى في سلّم أولويات التيار. يضيف: «نرى أن من حقنا خدمة الناس عبر مؤسسات الدولة، كما يفعل الجميع، ومهمّتنا هي متابعة موظفينا في الدولة والمساعدات التي يقدمونها».
سليم دياب والتيار العائلي
يرفض رئيس اللجنة الخماسية في تيار المستقبل، والأقرب إلى منصب الأمين العام للتيار في المؤتمر الحالي، أحمد الحريري، الحديث عن أنّ المستقبل تيار عائلي. يعود إلى عهد سليم دياب في قيادة التيار، ويقدم الكثير من الأمثلة عن المناصب والمراحل التي يجب أن يكون فيها الرجال المناسبون، بعيداً عن العائلية والطائفة والمذهب. ويتوافق هذا الخطاب مع ما يشير إليه بعض المستقبليين عن سعي جدي لوضع شخصيات غير سُنية في مناصب متقدّمة في قيادة التيار.
تحضيرات البيال
يعجّ مجمّع البيال بالشاحنات والمعدات والصور. ففي هذا المكان الذي انطلقت منه الوثيقة السياسية لتيار المستقبل، ستجري أحداث المؤتمر التأسيسي للتيار يومي 24 و25 الجاري. يتحدث مدير الإدارة والمساندة في تيار المستقبل، عزّت قريطم، عن التحضيرات الجارية في المجمّع الذي سيحتضن «نحو 1500 شخص في الحفل الافتتاحي».
يضيف أنه يجري إعداد مراكز استقبال الرسميين والضيوف، إضافة إلى مجموعة من القاعات للغداء والراحة والقاعة المخصصة للإعلاميين.
وسيكون المؤتمر الممتد على يومين، بحسب قريطم، أضخم مؤتمر تنظيمي يعقده أي حزب في لبنان، إذ سيحضره بين 600 و700 مستقبلي، إضافة إلى 100 «مراقب»، وهم من سيشاركون في الجلسات غير العلنية. يضيف أن المهمة التقنية الأهم هي كيفية تحويل القاعة الضخمة للاحتفال خلال نصف ساعة، إلى قاعة مؤتمر، مشدداً على أنّ من المقرر أن يتخذ البيال اليوم صورته شبه النهائية للاستحقاق المستقبلي.
«حالة انهيار» يواجهها الحريري بثقته بمسؤوليه
يُعقد المؤتمر التأسيسي لتيار المستقبل وثمة مجموعة من «المشاكل» داخل التيار، جرى تجاوزها أو تجاهلها. فلا بد من ذكر شبه الاستقالة التي قدّمها النائب أحمد فتفت إثر نتائج الانتخابات النيابية الفرعية في الضنيّة، وقبلها نتائج الانتخابات البلدية في المنطقة نفسها. والأهم طبعاً، الحالة الاعتراضية التي عبّر عنها النائب نهاد المشنوق قبل أسابيع، والتي لحق بها تجميد نجل المشنوق، صالح، عضويته في التيار احتجاجاً على الحالتين السياسية والتنظيمية.
ووجّه صالح المشنوق، أمس، رسالة علنية إلى الرئيس سعد الحريري، عرض فيها ملاحظاته والأسباب التي دفعته لتوجيه الرسالة.
ثمة في التيار وخارجه من يتحدث عن «حالة انهيار»، إلا أنّ مقرر اللجنة الخماسية المستقبلية أحمد الحريري، يتحدث عن حلّ هذه المشكلات، عبر التسويات حيناً والإقناع حيناً آخر، مؤكداً أنّ «المنسّقيات والقطاعات ستباشر العمل بعد المؤتمر لمحو أخطاء أدت إلى بعض النتائج السلبية».
"الأخبار"