لم يكد ينقضي شهر على تسلم رئيس بلدية طرابلس التوافقي، نادر غزال، مهمّاته، حتى ظهرت «عوارض» داخل المجلس البلدي الجديد وخارجه، بيّنت أن «القسمة» بين أفرقاء طرابلس السياسيين «غير زابطة»، وأن ما أرساه أطراف التوافق الطرابلسي الرباعي (الرئيسان عمر كرامي ونجيب ميقاتي، تيار المستقبل والوزير محمد الصفدي) من «فرض» غزال وأعضاء المجلس الـ23 الآخرين على ناخبيهم، أوصل إلى نتيجة كان أكثر من طرف قد أبدى تخوّفه منها مسبقاً، هي انتقال «المتاريس» السياسية من شوارع المدينة إلى المجلس البلدي، ما قد يعرقل عمله ويعيد تأزيم الخلافات السياسية.
ومع أن كثيرين من أعضاء المجلس البلدي ومن يقف وراءهم لم يهضموا الطريقة التي هبط بها غزال عليهم بـ«الباراشوت»، فإنهم ارتأوا إعطاءه «فترة سماح» تمتد أشهراً قبل أن يصدروا حكمهم عليه، وموقفهم من طريقة تعاطيهم معه، إما تعاوناً أو تحفظاً أو مواجهة، انطلاقاً من أمرين: الأول كي لا يُتهموا بأنهم يعرقلون توافقاً شاركوا في صنعه، والثاني عدم فتح النار والملفات مبكراً، لأنه ليس هناك ما يشير إلى أن غزال لن يستمر في منصبه حتى نهاية ولايته عام 2016، ولأن عليهم التعايش معه فترة طويلة من الزمن.
فمنذ إعلان «لائحة وحدة طرابلس» التوافقية برئاسة غزال في 24 أيار الفائت، وفوز اللائحة بكامل أعضائها كما كان متوقعاً وسط فتور لافت في إقبال المقترعين على صناديق الاقتراع، كانت معالم عدم الانسجام تظهر بين أعضاء المجلس البلدي الذين جمعت تناقضاتهم السياسية لائحة واحدة، قبل أن يبدأ الحديث منذ الجلسة الأولى التي أعقبت تسلم غزال مهمّاته من سلفه رشيد جمالي عن أن الأمور لا تسير على ما يرام، وأن الملاحظات على الرئيس التوافقي بدأت للتو.
شيئاً فشيئاً، تحوّل هذا التبرّم من غزال إلى بيانات وزعت في المدينة تنتقد أداءه، في موازاة حملة إعلامية قادتها صحف طرابلسية عليه، اتهمته بممارسة «تمييز سياسي» بين أعضاء البلدية، و«نبش ملفات الماضي»، و«النرجسية» في تصرفاته، فضلاً عن تطرّقها إلى طلبه زيادة راتبه، لافتة نظره إلى أن «المدينة فقيرة ولا تتحمل زيادة نفقات».
هذه الحملة على غزال دفعته نهاية الأسبوع الماضي إلى عقد مؤتمر صحافي للرد على منتقديه، عرض فيه ما أنجزه في فترة وجيزة، وأبرزه «تحقيق وفر مالي في مدفوعات البلدية خلال شهر بلغ 38%»، ما فُسِّر بأنه اتهام لسلفه بالهدر، وهو ما لمّح غزال إليه، إضافة إلى تأكيده أن «التوافق السياسي الذي جاء بي رئيساً لا يزال مستمراً»، وأن «محاولة شوائي مبكراً لن تنجح!».
إلا أن محاولة غزال تصوير نفسه هو وأعضاء البلدية بأنهم «فريق عمل متجانس»، ونفيه الاتهام بأنه «يتفرّد بالقرارات»، لم تكن تعبّر عن حقيقة الصورة، بل إن عكسه هو الذي يحصل في أكثر من محطة، أبرزها اثنتان:
الأولى :رفض أعضاء في البلدية إمرار قرارات معينة تتطلب موافقة المجلس عليها، وعندما خضعت للاقتراع لم تأتِ النتيجة لمصلحته.
والثانية :أنه أثناء مؤتمره الصحافي أفسح المجال أمام أعضاء لإلقاء مداخلات ومنع آخرين من ذلك، ما دفعهم إلى الانسحاب احتجاجاً، ليترسخ بعدها الانطباع السائد عن أن غزال «يتعاطى مع أعضاء البلدية بمزاجية لأسباب سياسية؛ إذ يتعاون مع الأعضاء المحسوبين على تيار المستقبل وكرامي، بينما يتعاطى بسلبية مع المحسوبين على ميقاتي والصفدي».
تأزُّم الوضع داخل بلدية طرابلس على هذا النحو، دفع أصواتاً مستاءة من أسلوب غزال ـــــ مقربة من ميقاتي والصفدي ـــــ إلى التساؤل: «كيف يمكن فهم التناقض الذي أوقع فيه نفسه بقوله إنه استطاع تحقيق وفر مالي من جهة، ورفضه إعطاء الإذن بحملة لرش المبيدات في المدينة بحجة عدم توافر الأموال؟»، مضيفة أن غزال «إذا أراد التقليع بهذه الطريقة، فإن الأمور لن تسير كما يجب».
لكن في موازاة هذا الاستياء من غزال، يشير أعضاء آخرون في البلدية مقربون من المستقبل إلى أن «الرجل يمثّل فرصة مهمة للنهوض بالمدينة»، بينما يشير آخرون مقرّبون من كرامي إلى أنه «مثلما عانينا تفرد الآخرين في السنوات الماضية وتغييبنا، فليلمسوا هم الآن هذه المعاناة والتغييب!».
حالة التصدع هذه التي برزت في بلدية طرابلس، كان قد سبقها إطلاق المرشح السابق للانتخابات النيابية خلدون الشريف، قبل نحو 10 أيام، أول إشارة امتعاض سياسية غير مباشرة تجاه غزال. ومع أن الشريف الذي خرج من تحت عباءة كرامي إثر استحقاق 2009 أعلن أنه «مقرب من الصفدي ومقرب جداً من ميقاتي»، فإنه آثر التأكيد أن انتقاده غزال هو «موقف شخصي مني، ولا يعبّر عن رأي أي طرف آخر».
وكان الشريف قد ذكّر غزال بأن «التوافق الذي أتى به رئيساً، يجب أن يكون مدخلاً لرفع الحرمان والظلم عن المدينة، لا الاستقواء على المواطنين»، مشيراً إلى أن «صيغة التوافق تلزمه بأن يستوعب كل مكونات المجلس الذي يمثل الأطياف السياسية في المدينة، لا أن يستبعد كل عضو لا يتماشى مع رأيه الشخصي؛ فأعضاء المجلس هم للمشاركة في صنع القرار لا للتصفيق فقط».
لكن التطور الأبرز في هذا المجال الذي كشف جوانب أخرى من الأزمة قد يفتحها على خيارات عدة، كان ما كتبته جريدة «الرقيب» الناطقة بلسان كرامي أخيراً تحت عنوان: («الأسود» تهجم على «الغزال» والقطبة المخفية التي تغيظ المتضررين: الحريري ـــــ كرامي).