انقشعت «غيمة الصيف» بالنسبة إلى حزب التحرير، ومرّ «قطوع حلّه». هذا ما يعتقده الحزب، فيما تتوجّه الأنظار إلى وزارة الداخلية لاكتشاف تفاصيل الملف الذي وعد الوزير زياد بارود بإنجازه تمهيداً للبحث جدّياً على طاولة مجلس الوزراء في شرعية عدم حظر هذا الحزب.
بدأ تقاطر أهل حزب التحرير، مجموعات وأفراداً، من مختلف أنحاء العالم إلى بيروت عبر «مطار رفيق الحريري الدولي». فيوم الأحد المقبل، ستكون بيروت، وتحديداً فندق البريستول ـــــ الحاضن الحنون لاجتماعات 14 آذار ـــــ على موعد مع «مؤتمر إعلامي عالمي» لـ«مناسبة الذكرى الأليمة التاسعة والثمانين لهدم الخلافة الإسلامية».
المؤتمر الذي تردد على طاولة مجلس الوزراء في يوم الثلاثاء الماضي أنه سيوقَف، مستمر، بعدما أكد الحزب أنه استوفى الشروط القانونية لعقده، وما دام الحزب لم يُحظر. فالمؤتمر شرعي مئة في المئة، وبحسب الناطق الإعلامي باسم حزب التحرير في لبنان، أحمد القصص، فإن «السحابة الصيفية» التي مرّت فوق الحزب في الأيام القليلة الماضية انقشعت، والحزب مستمر في مختلف نشاطاته.
غيمة وانقشعت إذاً! هذا ما يعتقده حزب التحرير الذي يرى أن محاولة طرح حله بالطريقة التي حصلت فيها كانت أشبه بتهريب القرار عبر إمراره نتيجةً لتقارير أمنية طارئة معجلة ومكررة، عبر الإيحاء بأن مجلس الأمن المركزي اكتشف أمراً خطيراً يستدعي من مجلس الوزراء حلّ الحزب، ولاحقاً يوفر المجلس الذرائع. لكن تبيّن، بحسب أحد الوزراء، أن الأمين العام لمجلس الوزراء، سهيل بوجي، كان حريصاً على حزب التحرير أكثر مما يعتقدون هم أنفسهم، فجرى تجاهل توصية مجلس الأمن المركزي، ولم يعرض بالتالي ملف حزب التحرير على طاولة مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال لأخذ قرار بشأنه، ما سمح لحزب التحرير، يقول القصص، باستيعاب الاستهداف المفاجئ والتحرك بفاعلية أكبر باتجاه بعض الفاعليات الروحية والسياسية لعرض وجهة نظر الحزب وإقناعها بعدم السير في محاولات استهداف الحزب التي كادت تنتحل صفة رسمية. وإذ يرى القصص أن الحزب سيبقى «فوق الأرض» لا تحتها، فإنه يشير إلى أن الحزب لا ينوي النوم على حرير، وسيتصدّى بالطريقة المناسبة لأي قرار «غير مبنيّ على مسوّغ قانوني».
في المقابل، ينفي معظم نواب تكتل التغيير والإصلاح أن يكون لديهم خطة عمل لحظر حزب التحرير الذي ينتقد العماد ميشال عون، بين حين وآخر، استمراره في العمل للوصول إلى إقامة الخلافة الإسلامية. ويرى أحد هؤلاء أن رفع الصوت وطرحه في مجلس الوزراء بعدما تطرّق مجلس الأمن المركزي له يكفي لحل هذه القضية، فيما لم تتوضح نيات وزارة الداخلية والبلديات، وخصوصاً أن الوزير زياد بارود كان قد أبلغ الوزراء في جلسة مجلسهم الأخيرة أنه يتابع الملف وسيعرضه على مجلس الوزراء حين يجهز.
في ملف بارود لا معطيات أمنية عن خطة حزبية للقيام بأعمال أمنية خطيرة، لكن ثمة بين الفاعلين في بعض هذه الأجهزة من يعتقد أن الحزب استفاد كثيراً من العلم والخبر لينمو في المجتمع، مع العلم بأن مبادئه تمثّل خطراً على السلم الأهلي، وهي بمثابة نيات مبيّتة لاستهداف مؤسسات الدولة. ويعدد هؤلاء عشرات النقاط التي يعدّونها بمثابة مبررات لحظر الحزب، من أبرزها:
ـــــ يدعو حزب التحرير إلى تحويل الجمهورية اللبنانية إلى «ولاية لبنان» التي يفترض أن تتبع لدولة «الخلافة الإسلامية»، مشيراً إلى أن النظام الديموقراطي هو «نظام كفر يحرّم التعامل معه»، ما يسمح بتطبيق المادة 301 من قانون العقوبات بحق المنتسبين إليه التي تقول: «يعاقب على الاعتداء الذي يستهدف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة بالاعتقال المؤقت خمس سنوات على الأقل. وتكون العقوبة الاعتقال المؤبد إذا لجأ الفاعل إلى العنف».
ـــــ يهدف حزب التحرير إلى «هدم أنظمة الكفر»، ومن بينها النظام القائم في لبنان. فيما تذكر المادة 335 من القانون نفسه أنه «إذا أقدم شخصان أو أكثر على تأليف جمعية أو إجراء اتفاق خطي أو شفهي بقصد ارتكاب الجنايات على الناس أو الأموال أو النيل من سلطة الدولة وهيبتها أو التعرّض لمؤسساتها المدنية أو العسكرية أو المالية أو الاقتصادية يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة، ولا تنقص هذه العقوبة من عشر سنوات إذا كانت غاية المجرمين الاعتداء على حياة الغير أو حياة الموظفين في المؤسسات والإدارات العامة». يذكر هنا أن المادة القانونية تشير إلى اتفاق خطّي أو شفهي، ولا تذكر وسائل النيل من سلطة الدولة وهيبتها، مساوية بين المحاولات العنفية لتحقيق هذا الأمر والمحاولات السلميّة.
ـــــ لا يمكن أتباع حزب التحرير أن يقولوا إنهم يطرحون فكراً ويبشرون بإقامة الخلافة عبر المؤتمرات والنقاشات وتوزيع الكتب، وإنهم لا يخالفون القوانين اللبنانية ما دامت قيامة الخلافة المنتظرة لم تقم بعد؛ لأن المادة 270 من قانون العقوبات تؤكد أن «الاعتداء على أمن الدولة يعتبر تاماً، سواء كان الفعل المؤلف للجريمة تاماً أو ناقصاً».
ـــــ تحت عنوان «الجرائم التي تنال من الوحدة الوطنية أو تعكّر الصفاء بين عناصر الأمة»، يرد في المادة 317 من قانون العقوبات أن «كل عمل وكل كتابة وكل خطاب يقصد منها أو تنتج منها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليها بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة». فيما يعلن حزب التحرير أن هدفه «إقامة دولة الخلافة الإسلامية وتوحيد المسلمين تحت مظلّة الخلافة»، ويذكر أن «إقامة الأحزاب السياسية حقّ للمسلمين وحدهم» و«كلّ منازع للخليفة يجب قتله». إضافة إلى أن «حرية العقيدة والرأي والملكية والحرية الشخصية تتناقض مع أحكام الإسلام»، و«المسلم ليس حرّاً في عقيدته، فإنه إذا ارتدّ يُستتاب، فإن لم يرجع يقتل».
الأهم، هو المادة 109 من قانون العقوبات التي تعطي السلطات المعنية حق «حل كل نقابة وكل شركة أو جمعية وكل هيئة معنوية ما خلا الإدارات العامة:
-
إذا لم تتقيد بموجبات التأسيس القانونية.
-
إذا كانت الغاية من تأسيسها مخالفة للشرائع أو كانت تستهدف في الواقع مثل هذه الغاية».
والغاية من تأسيس حزب التحرير هي مخالفة الشرائع اللبنانية وتطبيق الشريعة الإسلامية.
في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، طلب الرئيس سعد الحريري من الوزير جبران باسيل التريث ريثما يعدّ الوزير زياد بارود ملفّاً كاملاً عن حزب التحرير لأخذ القرار المناسب. أجواء الحزب أمس كانت تشير إلى أن التأجيل بمثابة إغلاق للصفحة، والدليل على هذا الأمر أن المؤتمر سيحصل في موعده. في النتيجة، يمكن النائب أحمد فتفت أن يغسل يديه من حزب الخلافة، فالكرة باتت في ملعب خلفه.