بضعة أشهر مرّت على <اللقاء الإسلامي الموسّع> الذي دعا إليه مفتي طرابلس والشمال الدكتور الشيخ مالك الشعار وعقد في الشاطئ الفضي بحضور أكثر من 200 شخصية يمثلون نحو 50 جمعية وحركة إسلامية فضلاً عن فعاليات وشخصيات إسلامية التقوا جميعهم من اجل التخفيف من التنافر وللالتقاء على قواسم مشتركة هي أكثر بكثير من مواطن الاختلاف كما قال المفتي الشعار في كلمته التي حازت إعجاب الحاضرين وتنويههم بما ورد فيها بمثابة ورقة عمل مستقبلية لهذه الحركات·
ولقد حرص سماحته على استمرار هذه الأجواء الودية فيما بين مختلف هذه الحركات والشخصيات من خلال لقاءات مفردة وجماعية معهم في دار الفتوى من اجل تعزيز الأهداف التي توخاها المجتمعون من هذا اللقاء·
ولا يمكننا في هذا المجال أن نغفل الدور المميز الذي قام به نفر من المخلصين في إطار <لجنة المساعي الحميدة> التي عملت جاهدة، وبكل إخلاص وإقدام على إنجاح هذا اللقاء وتضييق شقة الخلافات بين هذه الحركات من اجل حثها على المشاركة في ذلك اللقاء الإسلامي الموسّع·
إنه دور مشكور ومساع محمودة لهذه اللجنة التي لم يكن هذا نشاطها الأول ولن يكون الأخير طالما أن الساحة الإسلامية لا تزال فرقا وتيارات وأحزابًا وجماعات·
ولقد ضمّت هذه اللجنة العديد من العلماء والشخصيات الفاعلة في حقل الدعوة الإسلامية، لترسو مؤخرا على ثلاثة عاملين في المجال الإسلامي هم: الشيخ رائد حليحل، الشيخ أمير رعد والشيخ عبد الرزاق قرحاني·
وكان لقاؤنا مع عضو اللجنة الشيخ أمير رعد الذي فوضه سائر الأعضاء التحدث باسمها، وقد تناول الحوار أوجه نشاط هذه اللجنة وإمكانية استمرار عملها في مجالات معينة، مع الإشارة المهمة هنا أن هذا اللقاء جرى منذ مدة ولم ينشر في حينه بسبب الانتخابات البلدية والاختيارية، ما يعني أن مضمون الحوار لم يركز على قضايا عديدة جرت فيما بعد هذا الحوار:
- بدأت فكرة إنشاء لجنة المساعي الحميدة قبل نحو عشر سنوات، عندما تلاقى مجموعة من الشباب العاملين في مجال الدعوة الإسلامية من مختلف الجمعيات والحركات الإسلامية، ومنهم من لم يكن منتمياً أيضًا، حيث كانت تربطهم جميعاً الصداقة والمعرفة والتقارب في السن، وأخذوا يعقدون جلسات فيما بينهم لتبادل الرأي في الحالة الإسلامية والنظر في الواقع الحركي والحزبي والإسلامي· وكان هؤلاء الشباب يقل عددهم تارة، أو يزدادون تارة أخرى، وذلك بحسب القضايا المطروحة ومدى أهميتها وخطورتها·
لم يكن هناك إطار أو تنظيم، وإنما لقاءات للتشاور والتعاون، وكان كل منهم يمثل نفسه·· وكان الرأي الجامع بينهم استمرار التلاقي ولو لم يطرح أي موضوع للنقاش والتداول، لأن اللقاء بحد ذاته تقارب وتلاقي وزيادة في المعرفة، ثم مع مرور الزمن كان بعض الشباب أكثر مثابرة ومتابعة من غيرهم، حيث قدّر لهم أن يوسّعوا تطلعاتهم وأن يزوروا كل الأحزاب والحركات والجمعيات والشخصيات الإسلامية، وذلك بهدف التقريب فيما بينها·
ثم تطوّر أمر نشاطهم ليلعبوا دور التهدئة والمصالحة لدى بروز أي توترات أو مشكلات على الساحة الإسلامية، وساعدهم على ذلك أنهم مقبولون من الجميع كما أنهم صنّفوا غير منتمين في حركتهم هذه، ولا ينطقون باسم أي اتجاه، وهكذا تنامي دورهم شيئاً فشيئاً، وصار لهم اثر وحضور في حل المشكلات وتحقيق المصالحات، وقد أنجزت هذه اللجنة <ميثاق حقن الدماء> خلال السنوات الماضية والتي وقّعتها جميع الحركات والأحزاب الإسلامية، وكذلك ساهمت اللجنة مساهمة فعالة في <وثيقة طرابلس> التي توّجت المصالحة بين منطقتي التبانة وجبل محسن بسعي ورعاية واهتمام من سماحة المفتي الدكتور الشيخ مالك الشعار، فأطلق عليها <لجنة المساعي الحميدة> والتي كان آخر نشاطاتها التحضير للقاء الإسلامي الموسّع بحضور حوالي 200 شخصية إسلامية يمثلون أكثر من 50 جمعية وحركة وتيار وجماعة وحزب إسلامي·
- لقد باشرنا بالاتصال بكل الحركات والشخصيات الإسلامية وتوزع أعضاء اللجنة مجموعتين لاختصار برنامج اللقاءات، وكان العنوان الذي رفعناه في كل لقاء هو: أهمية التلاقي، وتوحيد الكلمة على العديد من الثوابت ومنها: اننا كلنا نكنّ العداء لإسرائيل العدو الأوحد للأمة، ونؤيّد اتفاق الطائف، وننبذ الاقتتال والحروب الأهلية والطائفية والمذهبية، وجميعنا نرفض تشوبه صورة طرابلس ووصمها بالإرهاب، ولا نرضى الإساءة إليها، ونحرص على نهضتها واستعادة، دورها ومكانتها···
وقد حققت هذه المسلّمات قبولاً سريعاً لفكرة اللقاء الإسلامي الموسّع والذي جسّد فيه سماحة المفتي الشعار هذه الثوابت التي أكدها في خطابه الشهير والمميز الذي نال استحسان الجميع وموافقتهم·
- لم نسمع أبداً عن أي تحفّظات أو انتقادات أو حتى ملاحظات من أي حركة أو شخصية إسلامية، فلقد كان التجاوب كاملاً بل ومرحباً منذ بدء حديثنا عن العناوين العريضة لموضوع اللقاء، ورأينا أن هذه الثوابت موضع قبول لدى الجميع، بل هي في رأس اهتماماتهم وتفكيرهم، ويتحيّنون الفرص للتعبير عنها، فلم تسجّل أي تحفّظات أو شروط، إلا من قبل 3 شخصيات لأسباب لا علاقة لها بتاتاً بموضوع اللقاء·
وأسجّل هنا أن الجهة الداعية لهذا اللقاء أي سماحة المفتي الشعار كان له الأثر الأكبر في اطمئنان الحركات والشخصيات الإسلامية الى أهمية هذا اللقاء وصدقية حيثياته وأهدافه·
- لقد كان شعوراً مفعماً بالسرور والشكر لله على هذا النجاح منقطع النظير، ولا سيما أننا رأينا فيه - كما كل المجتمعين - الخطوة الأولى على الطريق الصائب للعلاقة بين مختلف العاملين في الساحة الإسلامية، ولأننا نعتقد أنه لن يكون آخر لقاءات هذه الهيئات، وخصوصاً أنه بدّد مظاهر الجفاء والبرود بين بعض هذه الحركات·
- هذا السؤال في محله، وقد ظن بعض المشاركين والإعلاميين أن هذا اللقاء هو نهاية المطاف، وفي الواقع، أن هناك متابعة لم تنقطع بعد هذا اللقاء الموسّع الذي عقد في الشاطئ الفضي، تمهيداً للقيام بخطوة ثانية عملية تؤدي إلى المزيد من التقارب والتعاون بين الجميع، ولا سيما أن حماسة المشاركين كافة لم تفتر وما زالوا يشيدون بأصداء هذا اللقاء ولعلهم أكثر حماسة منا لمتابعة المسيرة التي ستكون مدروسة بإذن الله، والتي نتحين الفرص للإعلان عنها في حينه·
- في الحقيقة، لقد ترك هذا اللقاء منسوباً معيّناً ومتفاوتاً لدى كل فريق شارك فيه، ولعل أبرز نتائجه الإيجابية الملحوظة إزالة الحواجز المصطنعة، وإحساس الجميع بوجوب مراعاة بعضهم بعضاً، والاعتراف بالآخر، والعمل على مزيد من التقارب، ما يسمح لنا بالقول أن المناخ العام بعد اللقاء مختلف عمّا قبله، كما أن هناك عدداً من الصيغ المقترحة لبلورة إطار يجمع فيما بينهم، ويتعاونون من خلاله·
ولا يمكن أن نخفي وجود بعض العراقيل، التي نصادفها في مثل هذه المحطات الهامة ولكنها ليست على قدر كبير من الأهمية طالما أن نوايا الجميع بدت أكثر من جيدة لمستقبل الحركة الإسلامية·
الدور المتميّز للمفتي الشعار كيف ترى <لجنة المساعي الحميدة> الدور الذي اضطلع به المفتي الشعار من أجل إنجاح لقاء هذه الحركات والشخصيات الإسلامية؟ - أن تميّز سماحة المفتي الشيخ الدكتور مالك الشعار بشخصية ديناميكية مستوعبة وحكيمة ومنتجة للأفكار ساهم المساهمة الكبرى - بعد توفيق الله تعالى - في إنجاح هذا اللقاء برعايته، وهو الحريص على تقارب النّاس جميعهم، وخاصة العاملين في مجال الدعوة الإسلامية·
كما أن نهجه المعروف، والمتمثل بالإفادة من جميع الطاقات والخبرات وإطلاقها للعمل كان له الأثر البالغ في تحويل الأفكار إلى تطبيق عملي· ثم أن قدرته على بلورة مطالب الساحة الإسلامية والمساحات المشتركة بين أطرافها، كل ذلك جعل دوره أساسياً في انعقاد هذا اللقاء في إطار مأدبة جامعة تجاور فيها كثيرون من الذين لم يلتقوا مع بعضهم من قبل·
وبكلمة، لقد جسّد سماحة المفتي الشعار ما كان أعلنه في برنامج عمله لدى انتخابه حول هذا الموضوع·
- كل الأخوة العاملين في مجال الدعوة الإسلامية مدركون لأهمية تجاوز مرحلة الأجواء الباردة، ولسنا في حاجة إلى دعوتهم لأن يكونوا منبع الوعي، ومصدر التوجيه السليم، فهم علي إدراك تام - بإذن الله - بأن نهج التكامل هو النهج الصحيح، الغالب على منهج الإقصاء والإلغاء فلنعمل جميعاً للتقارب وليس للتباعد·
أجرى الحوار الصحافي عبد القادر الأسمر